في زاوية صغيرة من منزله ببغداد، حيث تتكدّس الكتب والخرائط ومجسمات طينية صغيرة، يجلس علي كحيلان، شاب عراقي عشريني، وهو يعيد رسم العالم الذي مضى، لا بالألوان، بل بالأدوات التي استخدمها السومريون والأكديون والبابليون.
ليس باحثًا أكاديميًا ولا يعمل في المتحف الوطني، أنه صانع محتوى قرر أن يجعل من التاريخ مادة مرئية تُفهم وتُحب.
ويشرح علي دافعه للبدء بمشروعه الذي نال إعجاب آلاف المتابعين على مواقع التواصل الاجتماعي، أن "أغلب العراقيين يجهلون ما صنعه أسلافهم"، مضيفاً: "العراق يحتوي على خزين اختراعي وابتكاري مغمور داخل وحل النسيان، لذلك قررت أن أعيد صناعة الأشياء السومرية أو التراثية، وأعرضها بمقطع فيديو قصير، كي يتمكن الجميع من استيعابها من دون ملل".
علي، الذي لم يتخرج من كلية آثار أو تاريخ، يرى نفسه وسيطًا بين حضارات عظيمة وشعب طاله التعب والنسيان، وفي كل فيديو، يعيد تمثيل طقس ديني قديم، أو طريقة علاج شعبية من وادي الرافدين، أو وصفة غذائية من العصر السومري.
لا يعيد فقط الشكل، بل يقترب من المضمون، متأملاً ومقلداً ، باحثًا ومتسائلاً: كيف كانوا يفكرون؟ وكيف كانوا يعيشون؟العودة إلى الجذور عبر "فيديوهات تشتغل بالقلب"يُنجز علي محتواه بمقاطع قصيرة لا تتجاوز الدقيقة أو الدقيقتين، لكنها مليئة بالتفاصيل الدقيقة التي قد يغفل عنها الكثير من الأكاديميين، ولا يكتفي بإظهار المعلومة، بل يصنعها بيديه، ويأكلها أحيانًا، كما في وصفاته الطهوية القديمة، أو يستخدمها كما في الأدوات الطبية والترفيهية التي برع العراقيون القدماء في اختراعها.
وقال علي لوكالة الأنباء العراقية في إجابة على سؤال عن منهجيته في البحث: "لدي طريقتان: الأولى من خلال الكتب، والثانية من خلال التواصل مع الأشخاص المختصين، ولا أعتمد على مصدر واحد، بل أقارن وأختبر وأعيد التجريب، وأحرص على تقديم المعلومة بطريقة مشوقة من دون أن أتنازل عن دقتها".
مكونات قديمة.. موجودة اليوممن بين أبرز ما لاحظه علي في بحثه، بحسب قوله لوكالة الأنباء العراقية أن "كل المكونات الغذائية الموجودة في الحقب الحضارية العراقية القديمة ما زالت موجودة في وقتنا هذا ولم ينقص منها شيء، وهذه الملاحظة فتحت أمامي بابًا واسعًا لإحياء المأكولات السومرية، من خلال وصفات بسيطة توصل للمشاهدين عمق التراث عبر الذوق والحواس، لا عبر الكلام الجاف أو الصور المتحفية".
أما في ما يتعلق بالاختراعات، فيعترف علي أن "هناك مواد يصعب توفيرها في وقتنا الحالي، لكني أتجاوز العقبات بابتكار بدائل قريبة من الأصل، لإكمال التجربة بحسّ إبداعي لا يقل عن من أعاد صنعهم".
جيل جديد ينظر إلى الماضي بعيون الحاضريتابع علي آلاف الشباب العراقيين والعرب، بعضهم للمرة الأولى يعرف أن "العراقيين القدماء كانوا يستخدمون أدوات جراحية أو يزرعون الأعشاب الطبية بدقة متناهية، وآخرون يكتبون له عن "الذهول" و"الدهشة" التي تصيبهم حين يعلمون أن هناك حضارات كاملة بُنيت على ضفاف دجلة والفرات، قبل آلاف السنين، ولم تُدرّس لهم يومًا في المدرسة.
في ظل موجة المحتوى السريع والمسلّي، ينجح علي كحيلان في أن "يفتح نافذة على حضارة عظيمة اندثرت في الوعي، لكنها لا تزال نابضة في التراب واللغة والطعام، لأن مشروعه ليس ترفًا، بل هو نوع من المقاومة الثقافية الهادئة، ضد النسيان، وضد انقطاع العراقيين عن ماضيهم".
يختم علي بابتسامة تشبه تلك التي يبتسم بها السومريون في منحوتاتهم القديمة: "أنا لا أريد أن أُعلّم الناس فقط، أريد أن أُشعرهم بالفخر. هذه حضارتهم، وهذا ميراثهم، ويجب أن يعرفوه بعيونهم، لا بعيون الغرباء".
المتعة في الصعوبة لا يخفي علي شغفه في مواجهة التحديات، بل يعدها جزءًا من التجربة التي تمنحه الإحساس بالنجاح، قائلاً: "أنا أشعر بالمتعة عندما تواجهني صعوبة في إعداد شيء قديم، لكي أشعر بنكهة النجاح عند إنجازه وعرضه للناس".
أكثر مشروع أتعبني لكني أفتخر به كان إعادة صناعة أقدم ساعة في العالم: المزولة الشمسية، أو الساعة الشمسية التي كانت معقدة جدًا بسبب خطوطها الدقيقة والقياسات المطلوبة لتعطي وقتًا مضبوطًا، لكنها من أحبّ إنجازاته".
حين يصبح الماضي موضةً بين الشبابلا يكتفي علي بصناعة الفيديوهات فقط، بل يراقب بعين حذرة أثر هذه الموجة التراثية المتنامية في الشارع العراقي، مشيرا الى انه "لاحظت في الآونة الأخيرة أن نسبة الشباب المفتخرين بهويتهم العراقية قد زادت، وأصبحوا يرتدون الزي التقليدي العراقي، وحتى المقاهي أصبحت بأغلبيتها ذات طابع تراثي، والأغاني القديمة باتوا يتلذذون بسماعها، وحبوا كل شي تراثي"، مردفاً أنه "بالنسبة لي، هذه التحولات ليست مصادفة، بل نتيجة طبيعية لتأثير المحتوى الثقافي في وعي الأجيال الجديدة".
ولفت إلى ملامح عودة الجذور، بأنه "حتى نسبة متعلمي ركوب الخيل زادت، وكثر التخييم في البوادي العراقية، وهذا يدلّ على تأثير الفيديوهات التراثية في هذا الجيل، لأنه جيل لم يرَ الحقبة القديمة في أرض الواقع"، لافتا الى ان "هذا الانبعاث في الذاكرة الجمعية، هدفي الحقيقي، حتى وإن بدا الطريق طويلاً، ولا أبحث عن الشهرة أو الربح، بل عن التغيير الخفي الذي يتسلل إلى العادات والذوق، ويُعيد تعريف "الهوية" بأدوات بصرية يومية".
الطعام... ذاكرة تُطبخمن بين كل الأنشطة التي يمارسها في محتواه، يُصرّ علي على أن "طبخ الأكلات العراقية القديمة هو فعل معرفي، لا مجرد ترفيه، مشيرا الى انه "أتعمد طبخ الأكلات القديمة بطريقتها الأم، لكي لا تفقد شيئًا من طعمها، ولكي أشعر بالطعم الذي كانوا يشعرون به، ولا اكتفي بإعادة المكونات، بل احاول تقليد أدوات الطهو نفسها، من أواني الطين إلى طريقة إشعال النار، لكي أعيد خلق التجربة كاملة"
وفي أحد فيديوهاته الشهيرة، طبخ علي نوعًا من الخبز السومري باستخدام رماد الحطب، وأكله أمام الكاميرا قائلاً: "هذا طعم جدودنا... قبل آلاف السنين".
مشاريع مستقبلية.. في جعبة التاريخوتابع علي، أن "هناك الكثير من الاختراعات التي خططت لها، لكن سأجعلها مفاجأة جميلة للناس، والمهم منها هو إبقاء حالة الدهشة والفضول مستمرة، لأن هذا هو مدخلي الحقيقي لقلب الجيل الجديد"، منوهاً بأن "من أكثر اللحظات التي أشعر فيها بانتمائي العميق لأرضي، هي تلك التي اتناول فيها السمك المسگوف مع الطابگ، وعندما أتناولهما، أشعر بتناغمهما مع جيناتي، وأشعر بانتماء حقيقي للأهوار، ولا أنسى المذاق اللذيذ المتفرد".
وأكمل: "بالنسبة لي، الطعام ليس مجرّد نكهة، هو وسيلة لاكتشاف الذات والانتماء، وهو رابطٌ غير مرئي يصل الحاضر بآلاف السنين الماضية، ونافذةً على الهوية العراقية، بمذاقها ولهجتها وروحها"، مبيناً أنه "لم اتوقف عند الحضارة السومرية، رغم ولعي بها وباختراعاتها الأولى.
بل أرى أن هذا المشروع قابل للتوسع أفقيًا نحو حضارات العراق الأخرى، ولا استعجل، لكن كل حضارة تستحق وقتها الخاص، وتقديمها للناس يجب أن يكون بهدوء وتأنٍ حتى لا يُفرغ المحتوى من جوهره".
تحويل السطور إلى ذاكرة مرئيةواستطرد بالقول: "لدي مشروع تعليمي أكثر من كونه مشروعًا للحفاظ فقط، لأن أغلب الشعب العراقي لا يقرأ الكتب، ويعرف تاريخه بشكل سطحي، لذلك ارتأيت أن أُحوّل السطور المكتوبة إلى فيديوهات قصيرة تساهم في إيصال المعلومة بشكل أسرع ومريح"، مؤكداً أن "هذه الرؤية، تحولني من مجرد صانع محتوى إلى "مُترجم حضارات"، لا أنقل فقط المعلومة، إنما أخلق تجربة مرئية تمسّ مشاعر المشاهد، وتثير فضوله من دون أن تُثقله".
الأهوار في عيون الغرباء وأردف كحيلان، أن "الأغلبية يسمعون بالأهوار، لكن لا يعلمون شيئًا عن زيّ أهلها وأكلهم وطريقة عيشهم، لكن عندما يشاهدون طريقة معيشتهم في فيديو قصير، ينجذبون لها، وإن سمحت الفرصة، سيزورونها"، مؤكداً أنه "زارني عشرات السواح من أستراليا واسكتلندا وفنلندا وكندا، بعد مشاهدتهم للفيديوهات، فقط لكي يعيشوا تجربة الأهوار".
وأوضح انه "بالنسبة لي، لا توجد وسيلة أفضل للتعريف ببلدي من الفيديو الصادق، ولا احتاج إلى إنتاج ضخم أو حملات تسويقية، بل يكفيني مشهد بسيط، وصوت داخلي يقول للمشاهد: أنظر.. هذا نحن".
بين وفرة الغذاء وصعوبة الاختراع وأشار علي إلى أن "كل المواد الغذائية التي استخدمها أجدادنا لا تزال موجودة حتى يومنا هذا، ولم يختفِ منها شيء.
لكن المشكلة، تكمن في إعادة تصنيع الأدوات والاختراعات القديمة، إذ إن بعض المواد التي استخدمت في العصور السومرية والبابلية لم تعد متوفرة، احيانًا أضطر إلى استبدال بعض المواد بأشياء مشابهة أو محوّرة، لأصل إلى أقرب نتيجة ممكنة من الأصل، والإبداع لا يكمن فقط في الاستعادة الدقيقة، بل في الترجمة الذكية التي تحترم الأصل وتراعي الواقع".
تقدير عالمي.. وأعمال محلية ونوه علي، بأنه "تم تصويري في فيلم وثائقي من قبل قناة كربلاء الوثائقية بعنوان (حكمة الأهوار)، وسوف يُعرض قريبًا، كما صوّرت معي جهة أسترالية فيلمًا وثائقيًا سيُعرض على نتفلكس"، لافتا الى انه "عندما أعيد صناعة آلة سومرية، وأقوم بعرضها، وتتلقى قبولًا وانتشارًا واسعًا... أشعر وكأنني شعرت بفرحة صانعها الأول، وفي هذه اللحظة تحديدًا، أصبح حلقة الوصل بين زمنين، بين رجل سومري قبل خمسة آلاف عام، وشاب عراقي اليوم، كلاهما يحمل طين النهر في يده، ويؤمن بأن العراق ليس مجرد تاريخ، بل حياة يمكن أن تُستعاد.. قطعة قطعة، وصوتًا صوتًا".
المصدر: وكالة الأنباء العراقية

